• نبذة تاريخية: بدأت العلاقات السعودية الروسية في العام 1926م، حيث لم يمض سوى شهر وعشرة أيام على تأسيس المملكة، حتى بادر الاتحاد السوفيتي السابق برسالة بتاريخ 19 فبراير 1926م أعلن فيها اعترافه رسمياً بالمملكة العربية السعودية، التي كان يُطلق عليها في ذلك التوقيت "مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها"، لتكون بذلك أول دولة في العالم تعترف بالمملكة، ورد المغفور له الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود رحمه الله، برسالة أعرب فيها عن استعداد المملكة التام لإقامة علاقات مع حكومة الاتحاد السوفيتي ومواطنيها كما هو متبع مع الدول الصديقة. وقد شكّلت الرسائل المتبادلة بداية التواصل الرسمي بين البلدين، الذي تُوج بزيارة تاريخية للملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله عام 1932م إلى موسكو عام إعلان "المملكة العربية السعودية" عندما كان وزيراً للخارجية في عهد والده الملك المؤسس، وفتحت الزيارة صفحة في تنامي العلاقات بين البلدين، غير أن علاقات غير رسمية كانت قائمة، ويُذكر أن أول ما سجلته العلاقات السعودية الروسية كانت الاتصالات المبكرة مع الأمام عبد الرحمن وابنه الأمير عبد العزيز (الملك المؤسس) في الكويت في مطلع القرن العشرين قبل الاعتراف بالمملكة. لكن توقفت العلاقة بعد سنوات على بدئها لعقود، وذلك في أبريل عام 1938م عندما أعلن الاتحاد السوفيتي إغلاق بعثته الدبلوماسية في جدة، وقد كان الانقطاع الطويل للعلاقات الذي استمر لأكثر من نصف قرن مضراً لكلا الشعبين، وأثراً بالغاً لغياب أسس التواصل ومنها اللغة المشتركة وغيرها، وإعادة العلاقات تعني بالضرورة إعادة البناء من جديد وتطلب صبراً وجهداً مشتركاً، وجاءت البداية الجديدة في 17 سبتمبر 1990م من خلال صدور بيان مشترك يُعلن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، على أسس ومبادئ ثابتة، لتبدأ مرحلة جديدة، عززتها الزيارات التاريخية التي قام بها إلى روسيا الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله عام 2003م عندما كان ولياً للعهد، والملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود عام 2006م إلى روسيا عندما كان أميراً لمنطقة الرياض، وزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المملكة عام 2007م. وقد أخذ التوجه نحو تكثيف التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين يتشكل تدريجيًا، حيث ارتفع حجم المبادلات التجارية بين البلدين من 235 مليون دولار أمريكي في عام 2005م إلى 926 مليون دولار أمريكي خلال العام 2015م، منها صادرات سعودية إلى روسيا بقيمة 155.3 مليون دولار، وواردات من روسيا بقيمة قدرها 770.7 مليون دولار أمريكي، وتتركز واردات المملكة من روسيا الاتحادية بالدرجة الأولى على قضبان الحديد والتسليح والشعير وقضبان النحاس المصقول والأنابيب ومعدات الحفر، إضافة إلى المنتجات المعدنية شبه الجاهزة، وتُصدر المملكة إلى روسيا المنتجات البتروكيماوية (الأصباغ) والتمور وبولي ايثلين عالي الكثافة والبوليميرات إثيلين، إضافة إلى أصباغ ودهانات سطحية والسجاد والموكيت وخيوط العزل، ورغم النمو السنوي المطرد في التبادل التجاري بين البلدين، إلا أن هذا المستوى الذي لا يتجاوز مليار دولار رغم ضخامة إمكانيات وطاقات البلدين ورحابة الفرص الاستثمارية المتاحة، حيث إن هناك إمكانيات هائلة غير مستغلة بالكامل.

    هذه المحطات المهمة تُبرز تاريخ العلاقة وعمقها، وإلى جانب المشتركات التاريخية هناك مبادئ رئيسية تلتقي المملكة وروسيا بها سياسياً، مثل عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتشابه مواقف البلدين في الأمم المتحدة، واقتصادياً، انطلاقاً من مسئولية عالمية تُمليها عضوية البلدين في مجموعة العشرين، والمتابع لمسار العلاقات السعودية – الروسية يجد أنها أخذت أفقاً جديداً ونقلة نوعية بعد الزيارتين التي قام بهما صاحب السمو الملكي ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع إلى روسيا ومباحثاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يونيو وأكتوبر عام 2015م، وما تم توقيعه من اتفاقيات ومذكرات تفاهم لتوسيع التعاون في جميع المجالات، أبرزها الاتفاق على استثمار 10 مليارات دولار في إطار شراكة بين صندوق الاستثمارات العامة في المملكة والصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة. وبالقدر والأهمية التي توليها المملكة لتطوير العلاقات الثنائية مع روسيا في جميع المجالات، لا تُغفل المملكة العربية السعودية أن هناك أكثر من 20 مليون مسلم روسي يشكلون ما نسبته نحو 14% من إجمالي عدد سكان روسيا، وتحرص المملكة دائماً على الاهتمام ورعاية الحجاج الروس إلى الأماكن المقدسة، الذين يبلغ عددهم ما بين 16- 20 ألف حاج روسي، إضافة إلى آلاف المعتمرين على مدار العام، ولا تقتصر هذه الجهود على رعايتهم داخل الحرمين الشريفين أو حتى داخل المملكة فقط، بل تبدأ من سفارة المملكة في موسكو، التي تستقبل آلاف الطلبات للحج والعمرة كل عام وتوفر لمقدمي الطلبات كل ما يلزم من مساعدة لإتمام الإجراءات بيسر وسهولة.