في التاسع عشرَ من ربيع الأوّل لهذه السنة قدمتُ أوراقَ اعتمادي سفيرًا مفوضًّا فوق العادة لخادم الحرمين الشريفين الملك سَلمان بن عبد العزيز آل سعود "يحفظُه الله" لدى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، ولازلْتُ أستحضِرُ منذ ذلك الحين الشَرف البالغ والمسؤُولية الكبيرَة التي ينْطوي عليها هذا التكليفُ السامِي بالسفارة بين بلدَيْنِ شقيقيْنِ يجمَعُهُمَا ماضٍ مجيد وحاضرٌ مشترك ومستقبلٌ واعد.

إن التقاربَ بين المملكة العربية السعودية والجزائر ليس وليدَ اليوم أو الأمس القرِيب، لكنَّه يعودُ إلى الأيَّام الماجدةِ التي كافحَ فيهَا الجَزائريون لاسترجاع سيادتِهم وأرضِهم منَ المُحتل الفرنسي، حيثُ كانتْ المملكةُ في طليعةِ المدافعِين عن ادرَاج الثورَة الجزَائرية كقضيةٍ أُممِيَّة في الخامس من يناير العام 1955م بعد شهْرَين فقط من اندِلاعِها. لقد ظلَّت الثورةُ الجزائريةُ المُباركةُ حاضرةً في وجدَانِ كلِّ السُعودِيين، ففي عام 1957م سعَت المملكةُ إلى تَعريف العالمُ الإسلاَمي بثورة التحريرِ المجيدَة حينَ أعلنَت أن شعارَ الحجِّ لتلك السنة سيكونُ "حج الجزائر"، وهي السنةُ نفسُهَا التي حمَلَ فيها الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود "رحمه الله" الرايةَ الجزَائريةَ داخلَ مبنَى الأمَم المُتحدَّة دعمًا للبلدِ الشقِيق وانتصارًا لتَضحيات أبنائِه.

لم يكُن دعمُ المملكةِ العربيةِ السُعودية لنضَال الاخوَة الجَزائريين دعمًّا عاديًا يفرضُه الجِوار وصلَة الدِين واللُغة فقط، بل تعدَّاهُ للاقتناعِ التَّام بهذه القضيةِ المِحورية آنذاك ولا أدلَّ على ذلكَ منَ الملك سعُود بن عبد العزيز آل سعود "رحمه الله" وهو يخاطبُ وفدَ الحُكومة الجزائريَة المُؤقتة في السادس من مارس العام 1959م بقوله: " لستم جزائريين أكثر مني"

لقد عبَّر الملك سعود عن دعمٍ مُنقطع النظِير للجزائر خلال استقباله للأمين العام الأسبق للأممِ المتحدَة داغ همرشولد في التاسع من يناير عام 1958م بالقول: "إن علاقتَنا السياسية مع فرنسا مُتوقِّفةٌ على حلِّ القضيةِ الجزائرِية حلاً يُعيدُ لأهلِها العرب حُريَّتهم واستقلالهم، وإنَّ العربَ مُرتبطون معهُم برابطة الأخوة التي لا تَنفصِم، وإنَّ البلاد العربية لن تكتفي بإرسالِ المُساعدات المالية لإخوانهم المجاهدين، بل إنَّني أقترِحُ على الدول العربية اتخاذَ خطوةٍ إيجابيةٍ جديدَة وهي مقاطعةُ فرنْسا حتى تُقِرَّ حقَ إخواننا الجزائريين في حُريتهم واستقلالهم". وبالفعل فقد افتتحت المملكة العربية السعودية اكتتَابا عامًّا شارك فيه السُعوديون قيادةً وشعبًا لتقديم الدعم المادي لثورة الجزائر.

ويَمُنُّ العلِيُّ القَدير على الجزائريين خاصّة والأمَّة الإسلامية عامّة باستقلالٍ طالَ انتظارُه العام 1962م لتُشكِّلَ المملكة العربية السعودية والجزائر قُطبٍّا عربيًا مُنتصرًا لقضايا الأمّة ونضالاتٍها وهو ما برزَ بشكلٍ جلِي في الزيارَة التَاريخية للملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود "رحمه الله" للجزائر عام 1970م التي حَظِيَ فيهَا باسْتقبال شَعبي كبِير وهو يجوب شوارع العاصمة الجزائر رفقة الرئيس هواري بومدين "رحمه الله"، كما يُسجِّل التاريخ الزيارَة الاسْتثنائية لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود "رحمه الله" للجزائر عام 1982م ويلِيها دورُه الكبِير في رأبِ الصَدْع بين الجزائر والمغرب الذِي تجَلى في اللقاء التاريخي بين الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد والملك المغربي الحسن الثاني "رحمهُما الله" عام 1987م.

مرَّت السنوات سريعًا... تغيَّرتْ فيها المنطقةُ والعَالم، لكنَّ عُرَى المودَّةِ الخالصة بين بلدينَا لم تَضْعُفْ، ولقد كانت زيارةُ صاحبِ السُمو المَلكي وَلِي العَهد الأمير مُحمد بن سلمان "يحفظه الله" للجزائر في الثاني من ديسمبر الماضي تعبيرًا عن الأهميةِ البالغة التي تَحظَى بها الجزائر لدى القيادةِ السُعودية ورغبةً مُتجدِّدَةً منْها في أنْ يخوضَ البلدَان جنبًا إلى جنبٍ غمارَ التَحدِّيات التي يفرِضُها العالمُ على منطقتِنا بمبادِئ راسخَة لم نَحِدْ عنْها يومًا، قِوَامُهَا الأخوَّة والاحتِرام وتغليبُ مصلحةِ الأمَّة، وهو الدافعُ لتأسيسِ المجلسِ الأعلَى للتنسيق السعودي الجزائري الذي يعملُ على تعزِيزِ التَعاون الاستراتيجي في المجالاتِ السِياسيةِ والأمنيةِ والاقتصاديةِ.

إنَّ نظرةً مُستنيرةً لواقعِ العَلاقاتِ الدُوليةِ وتحليلًا موضُوعيًا لسنواتٍ طويلةٍ من العملِ العربٍي المُشترك، تَجعلُني أكثرَ تَفاؤُلًا بأنَّ الغدَ سيحمِلُ آفاقًا واعدةً للشراكةِ والتَكامُلِ بينَ المملكة العربية السعودية والجزائر، بمَا يعودُ بالخيرِ العَميمِ عليهِمَا وعلى المنْطِقة بأَسْرِهَا.  

سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجزائر
 الأستاذ عبد العزيز بن إبراهيم العميريني